وهبة الزحيلي
44
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ويلاحظ أن هذه الآيات كلها في قمة البلاغة والفصاحة والإيجاز المفيد معاني عديدة متلاحقة ، قال الزمخشري : فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن تنظيمه وترتيبه ، ومكانة إضماده ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوي ، وأخرس الشّقاشق « 1 » . فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على ما يأتي : 1 - إن نفخ إسرافيل في الصور نفخة مرعبة وهي النفخة الأولى ونفخة الصعق يموت من رعبها الخلائق كلهم إلا من شاء ربك من الملائكة أو الناس . وهي العلامة الثانية لقيام القيامة . قال القرطبي : والصحيح في الصور : أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل . قال مجاهد : كهيئة البوق . والصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان ، لا ثلاث ، وأن نفخة الفزع إنما ترجع إلى نفخة الصعق ؛ لأن الأمرين لازمان لهما ، أي فزعوا فزعا ماتوا منه ، ثم تأتي نفخة البعث وهي النفخة الثانية التي يحيى بها العباد ليجتمعوا في أرض الجزاء « 2 » . ولا يتخلف أحد من الخلائق من عهد آدم إلى قيام الساعة عن المثول حيا أمام اللّه تعالى ، لقوله سبحانه : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ أي ذليلين صاغرين . 2 - وبعد قيام القيامة وبعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يحدث تسيير الجبال من أماكنها ، ثم تتلاشى وتتبدد كالعهن ، أي الصوف المندوف . يقال : إن اللّه تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها ،
--> ( 1 ) الكشاف : 2 / 463 ، والشقاشق : الخطباء الماهرون في الكلام ، جمع شقشقة وهي في الأصل لهاة البعير . ( 2 ) تفسير القرطبي : 13 / 240 .